صفي الرحمان مباركفوري
76
الرحيق المختوم
المسجد عند الكعبة ، ومعه أبو بكر الصديق ، وفي يدها فهر ( أي بمقدار ملء الكف ) من حجارة ، فلما وقفت عليهما أخذ اللّه ببصرها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلا ترى إلا أبا بكر ، فقالت : يا أبا بكر ! أين صاحبك ؟ قد بلغني أنه يهجوني ، واللّه لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، أما واللّه إني لشاعرة . ثم قالت : مذمما عصينا * وأمره أبينا ودينه قلينا ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه أما تراها رأتك ؟ فقال : ما رأتني ، لقد أخذ اللّه ببصرها عني « 1 » . وروى أبو بكر البزار هذه القصة . وفيها أنها لما وقفت على أبي بكر قالت : أبا بكر هجانا صاحبك ، فقال أبو بكر : لا ورب هذه البنية ، ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به ، فقالت : إنك لمصدق . كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجاره ، كان بيته ملصقا ببيته ، كما كان غيره من جيران رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يؤذونه وهو في بيته . قال ابن إسحاق : كان النفر الذين يؤذون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيته أبا لهب ، والحكم ابن أبي العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن الأصداء الهذلي - وكانوا جيرانه - لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص « 2 » ، فكان أحدهم يطرح عليه صلى اللّه عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلي ، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له ، حتى اتخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجرا ليستتر به منهم إذا صلى ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود ، فيقف به على بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ! أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق « 3 » . وازداد عقبة بن أبي معيط في شقاوته وخبثه ، فقد روى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد . فانبعث أشقى القوم ( وهو عقبة بن أبي معيط ) « 4 » فضاء به فنظر ، حتى إذا سجد النبي للّه وضع على ظهره بين كتفيه ، وأنا أنظر ، لا أغني شيئا ، لو كانت لي منعة ، قال : فجعلوا
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 335 ، 336 . ( 2 ) هو أبو الخليفة الأموي مروان بن الحكم . ( 3 ) ابن هشام 1 / 416 . ( 4 ) صرح بذلك في صحيح البخاري نفسه 1 / 543 .